محمد بن الطيب الباقلاني

295

إعجاز القرآن

أمكنه أن يأتي بما له هذه الرتبة ، وكان متعذرا على غيره ، لفقد علمه بكيفية النظم . وليس القوم بعاجزين عن الكلام ، ولا عن النظم والتأليف . والمعنى المؤثر عندهم في تعذر مثل نظم القرآن علينا : فقد العلم بكيفية النظم ، وقد بينا قبل هذا أن المانع هو أنهم لا يقدرون عليه . والمفحم قد يعلم كيفية الأوزان واختلافها ، وكيفية التركيب ، وهو لا يقدر على نظم الشعر . وقد يعلم الشاعران ( 1 ) وجوه الفصاحة ، وإذا قالا الشعر جاء شعر أحدهما في الطبقة العالية ، وشعر الآخر في الطبقة الوضيعة . وقد يطرد ( 2 ) في شعر المبتدي والمتأخر في الحذق - القطعة الشريفة والبيت النادر ، مما لا ( 3 ) يتفق للشاعر المتقدم . والعلم بهذا الشأن في التفصيل لا يغنى ، ويحتاج معه إلى مادة من الطبع ، وتوفيق من الأصل . / وقد يتساوى العالمان بكيفية الصناعة والنساجة ، ثم يتفق لأحدهما من اللطف في الصنعة ، ما لا يتفق للآخر ( 4 ) . وكذلك أهل نظم الكلام - يتفاضلون ، مع العلم بكيفية النظم ، وكذلك أهل الرمي يتفاضلون في الإصابة ، مع العلم بكيفية الإصابة . وإذا وجدت للشاعر بيتا أو قطعة أحسن من شعر امرئ القيس ، لم يدل ( 5 ) ذلك على أنه أعلم بالنظم منه ، لأنه لو كان كذلك كان يجب أن يكون جميع شعره على ذلك الحد ، وبحسب ذلك البيت في الشرف والحسن والبراعة ، ولا يجوز أن يعلم نظم قطعة ويجهل نظم مثلها ، وإن ( 6 ) كان كذلك ، علم أن هذا لا يرجع إلى قدره ( 7 ) من العلم ، ولسنا نقول : إنه يستغنى عن العلم في النظم ، بل يكفي علم به في الجملة ، ثم يقف الامر على القدرة .

--> ( 1 ) م " الشاعرين " س " الشاعر " ( 2 ) كذا في ا ، م ، ك . وفى س " ترد " ( 3 ) م ، ا ، ك : " وما لا يتفق " ( 4 ) س : " في الآخر " ( 5 ) كذا في ك ، م . وفى س " لا يدل " ( 6 ) م : " فإذا " . س " وإن " ( 7 ) كذا في ك ، ب . وفى ا ، م " ما قدروه " . س " إلى قدرة "